الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

170

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المؤمنين بعد أن أنكر عليهم ضلالهم في نفوسهم ، وفصل بلا عطف للدلالة على استقلاله بالقصد ، ولو عطف لصحّ العطف . والصدّ يستعمل قاصرا ومتعدّيا : يقال صدّه عن كذا فصدّ عنه . وقاصره بمعنى الإعراض . فمتعدّيه بمعنى جعل المصدود معرضا أي صرفه ، ويقال : أصدّه عن كذا ، وهو ظاهر . وسبيل اللّه مجاز في الأقوال والأدلّة الموصلة إلى الدّين الحقّ . والمراد بالصدّ عن سبيل اللّه إمّا محاولة إرجاع المؤمنين إلى الكفر بإلقاء التشكيك عليهم . وهذا المعنى يلاقي معنى الكفر في قوله : لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ على وجهيه الراجعين للمعنى الشّرعي . وإمّا صدّ النّاس عن الحجّ أي صدّ أتباعهم عن حجّ الكعبة ، وترغيبهم في حجّ بيت المقدس ، بتفضيله على الكعبة ، وهذا يلاقي الكفر بمعناه اللّغوي المتقدّم ، ويجوز أن يكون إشارة إلى إنكارهم القبلة في قولهم ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها [ البقرة : 142 ] لأنّ المقصود به صدّ المؤمنين عن استقبال الكعبة . وقوله : تَبْغُونَها عِوَجاً أي تبغون السبيل فأنّث ضميره لأنّ السّبيل يذكّر ويؤنث : قال تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي [ يوسف : 108 ] . والبغي الطلب أي تطلبون . والعوج - بكسر العين وفتح الواو - ضدّ الاستقامة وهو اسم مصدر عوج كفرح ، ومصدره العوج كالفرح . وقد خصّ الاستعمال غالبا المصدر بالاعوجاج في الأشياء المحسوسة ، ، كالحائط والقناة . وخصّ إطلاق اسم المصدر بالاعوجاج الّذي لا يشاهد كاعوجاج الأرض والسطح ، وبالمعنويات كالدّين . ومعنى تَبْغُونَها عِوَجاً يجوز أن يكون عوجا باقيا على معنى المصدرية ، فيكون عِوَجاً مفعول تَبْغُونَها ، ويكون ضمير النصب في تبغونها على نزع الخافض كما قالوا : شكرتك وبعتك كذا : أي شكرت لك وبعت لك ، والتقدير : وتبغون لها عوجا ، أي تتطلبون نسبة العوج إليها ، وتصوّرونها باطلة زائغة . ويجوز أن يكون عوجا ، وصفا للسبيل على طريقة الوصف بالمصدر للمبالغة ، أي تبغونها عوجاء شديدة العوج فيكون ضمير النصب في تَبْغُونَها مفعول تبغون ، ويكون عوجا حالا من ضمير النّصب أي ترومونها معوجّة أي تبغون سبيلا معوجّة وهي سبيل الشرك . والمعنى : تصدّون عن السّبيل المستقيم وتريدون السّبيل المعوجّ ففي ضمير تَبْغُونَها استخدام لأنّ سبيل اللّه المصدود عنها هي الإسلام ، والسّبيل الّتي يريدونها هي